السيد محمد تقي المدرسي
290
من هدى القرآن
أينما كنا فيها ، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء ] « 1 » . والظن في الآية ليس بمعنى الشك ، فإن الجن على يقين تام علميًّا بأنهم لا يعجزون رب العزة ، بل هو بمعنى اليقين الذي يصل إلى حد التصور والاستحضار للحقيقة بالظن وكأنها حقيقة مادية قائمة ، أي تركيز قوة التخيل والتصور بصورة شديدة . [ 13 ] ولقد عرف النفر من الجن أنفسهم المحدودة بالجهل والعجز فتحسسوا الحاجة الفطرية الملحة بضرورة الاستعاذة بالخالق المتعالي عن أي عجز أو حد فعرفوا ربهم فاتخذوا معرفة النفس وسيلة لمعرفة الرب . أوليس من عرف نفسه فقد عرف ربه كما في الحديث ؟ فآمنوا به ، وراحوا يعوذون به إيمانا منهم بأن الاطمئنان والسعادة لا يوجدان إلا عنده عز وجل . وحيث سمعوا آيات الذكر الحكيم وهم في مخاض الشك المنهجي والبحث عن سبيل الرشاد أصغوا لها مسامع قلوبهم ، وسلمت لحقائقها أفئدتهم ، فآمنوا به . « وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ » ولعلنا نستشف من هذا المقطع أن المتكلمين كانوا يعانون من مشكلة التعتيم والتضليل ، لأنهم كانوا في بيئة جاهلية كجاهلية البشر قُبيل بزوغ فجر الرسالة . ويشير النفر إلى الخلفية التي دعتهم إلى اختيار الهدى بالإيمان بالله ، ألا وهي كون الإيمان سبيل السعادة « فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً » ، وعلى عكس ذلك الشرك بالقوى المخلوقة كالجن والأوثان التي لا تزيد المشرك بها سوى الخسارة بعد الخسارة ، لأنها محدودة وعاجزة عن تحقيق الضر والنفع لنفسها فكيف للآخرين ؟ ! . إن البعض كالفرقة اليزيدية قدسوا الشيطان ، وفلسفوا موقفهم على أساس أنه رمز قوى الشر الذي ينبغي اتقاؤه بعبادته وكسب رضاه ، في حين تركوا عبادة الله لأنه كما يزعمون رب الرحمة الذي لا خوف من جانبه . . وراحوا يعظمون الطاووس لأنه في معتقدهم مسكون بالشيطان ! والحال أن الإيمان بغير الله لا يُؤَمِّن للإنسان الاطمئنان ، بل يضاعف خسارته وتعبه . بلى ؛ إن الإيمان بالله وحده الذي يملأ القلب بالاطمئنان إلى حسن الجزاء ونعم العاقبة ، فلا بخس ولا رهق . قال صاحب المجمع : البخس النقصان ، والرهق العدوان ] « 2 » ، ووافقه التفسير الكبير إلا أنه أضاف : والرهق الظلم ، ثم فيه وجهان : الأول : لا يخاف جزاء بخس ولا رهق ، لأنه لم يبخس أحدا حقا ولا ظلم أحدا فيخاف جزاءهما .
--> ( 1 ) الكشاف : ج 4 ، ص 627 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 470 .